الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
20
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المسلمون ، ومن لم تبلغهم دعوة الإسلام من الموحّدين الصّالحين في مشارق الأرض ومغاربها الطالبين للحقّ . وسبب هذه الأكثرية : أنّ الحقّ والهدى يحتاج إلى عقول سليمة ، ونفوس فاضلة ، وتأمّل في الصّالح والضارّ ، وتقديم الحقّ على الهوى ، والرشد على الشّهوة ، ومحبّة الخير للنّاس ؛ وهذه صفات إذا اختلّ واحد منها تطرّق الضّلال إلى النّفس بمقدار ما انثلم من هذه الصّفات . واجتماعها في النّفوس لا يكون إلّا عن اعتدال تامّ في العقل والنّفس ، وذلك بتكوين اللّه وتعليمه ، وهي حالة الرّسل والأنبياء ، أو بإلهام إلهي كما كان أهل الحقّ من حكماء اليونان وغيرهم من أصحاب المكاشفات وأصحاب الحكمة الإشراقية وقد يسمّونها الذّوق . أو عن اقتداء بمرشد معصوم كما كان عليه أصحاب الرّسل والأنبياء وخيرة أممهم ؛ فلا جرم كان أكثر من في الأرض ضالّين وكان المهتدون قلّة ، فمن اتبعهم أضلّوه . والآية لم تقتض أنّ أكثر أهل الأرض مضلّون ، لأنّ معظم أهل الأرض غير متصدّين لإضلال النّاس ، بل هم في ضلالهم قانعون بأنفسهم ، مقبلون على شأنهم ؛ وإنّما اقتضت أنّ أكثرهم ، إن قبل المسلم قولهم ، لم يقولوا له إلّا ما هو تضليل ، لأنّهم لا يلقون عليه إلّا ضلالهم . فالآية تقتضي أنّ أكثر أهل الأرض ضالّون بطريق الالتزام لأنّ المهتدي لا يضلّ متبعه وكلّ إناء يرشح بما فيه . وفي معنى هذه الآية قوله تعالى في آية [ 100 ] سورة العقود : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ . واعلم أنّ هذا لا يشمل أهل الخطأ في الاجتهاد من المسلمين ، لأنّ المجتهد في مسائل الخلاف يتطلّب مصادفة الصّواب باجتهاده ، بتتبع الأدلة الشرعية ولا يزال يبحث عن معارض اجتهاده وإذا استبان له الخطأ رجع عن رأيه ، فليس في طاعته ضلال عن سبيل اللّه لأنّ من سبيل اللّه طرق النّظر والجدل في التفقّه في الدّين . وقوله : يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تمثيل لحال الدّاعي إلى الكفر والفساد من يقبل قوله ، بحال من يضلّ مستهديه إلى الطريق ، فينعت له طريقا غير الطّريق الموصّلة ، وهو تمثيل قابل لتوزيع التّشبيه : بأنّ يشبّه كلّ جزء من أجزاء الهيئة المشبّهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبّه بها ، وإضافة السبيل إلى اسم اللّه قرينة على الاستعارة ، وسبيل اللّه هو أدلّة الحقّ ، أو هو الحقّ نفسه . ثمّ بيّن اللّه سبب ضلالهم وإضلالهم : بأنّهم ما يعتقدون ويدينون إلّا عقائد ضالّة ،